تاجر ابل ثم زعيم مليشيا

 


في قلب التحولات السياسية والعسكرية التي عصفت بالسودان في العقد الأخير، برز اسم محمد حمدان دقلو، المعروف بلقب "حميدتي"، كأحد أكثر الشخصيات إثارةً للجدل. مسيرته التي بدأت من تجارة الإبل في دارفور، وانتهت به زعيمًا لميليشيا قوية ذات نفوذ سياسي وعسكري واسع، تختصر كثيرًا من تناقضات الواقع السوداني، وتروي قصة صعود رجل عبر الهامش إلى مركز السلطة.

من صحراء دارفور إلى عالم التجارة

وُلد حميدتي في العام 1975 بمنطقة الجنينة، غرب دارفور، وينتمي إلى قبيلة الرزيقات العربية. نشأ في بيئة قبلية تقليدية، وامتهن منذ شبابه تجارة الإبل، حيث كان يسلك طرق التهريب القديمة بين السودان وتشاد وليبيا. لم تكن تلك التجارة مجرد نشاط اقتصادي بل مدرسة لتعلم النفوذ، الشبكات، والمعرفة الجغرافية والعشائرية، وهي أدوات ستصبح لاحقًا رأس ماله في عالم الصراعات.

من تاجر إلى مقاتل

مع اشتعال حرب دارفور في أوائل الألفينات، انخرط حميدتي ضمن الميليشيات العربية التي دعمتها الحكومة السودانية في حربها ضد الحركات المسلحة في الإقليم. وسرعان ما بدأ يكوّن تشكيلًا خاصًا به تحت مظلة "قوات حرس الحدود"، وهي النواة التي ستتطور لاحقًا إلى قوات الدعم السريع.

في العام 2013، قام نظام الرئيس عمر البشير بترقية هذه القوات إلى كيان شبه رسمي، منح حميدتي صلاحيات واسعة، ومكّنه من الوصول المباشر إلى رأس الدولة. كانت استراتيجيته تقوم على توازن دقيق: الولاء للخرطوم مقابل النفوذ الذاتي على الأرض.

الدعم السريع: ميليشيا بمواصفات دولة

تحوّلت قوات الدعم السريع تحت قيادة حميدتي إلى جيش موازٍ، يمتلك سلاحًا وتمويلًا خاصًا، وله امتدادات في الاقتصاد، ويسيطر على مناجم ذهب، خاصة في جبل عامر. كما شارك بعناصره في حرب اليمن إلى جانب التحالف العربي، مما أكسبه دعمًا خارجيًا ومصدر دخل جديدًا.

وعقب الإطاحة بالبشير في 2019، أصبح حميدتي عضوًا في المجلس العسكري الانتقالي، ثم نائبًا لرئيس مجلس السيادة. حاول أن يرسم لنفسه صورة رجل الدولة، فظهر في لقاءات دبلوماسية، وموّل مبادرات شعبية، وتحدث عن التحول الديمقراطي، لكن ظلت قواته تمارس العنف الممنهج، خاصة خلال فض اعتصام القيادة العامة، والذي راح ضحيته المئات.

من الشراكة إلى الصدام

لم يكن مشروع حميدتي يتقاطع مع طموحات الجيش النظامي بقيادة عبد الفتاح البرهان، بل كان نقيضًا له. ومع تعثّر التحول الديمقراطي، واحتدام التنافس على السلطة، تفجرت الحرب في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.

في هذه الحرب، برز حميدتي كقائد صلب، يتحكم في مناطق واسعة من العاصمة وأجزاء من غرب السودان، لكنه أيضًا متهم بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، بما في ذلك القتل والنهب والاغتصاب، خاصة في دارفور.

تعليقات

المشاركات الشائعة